ابن قتيبة الدينوري
15
الأخبار الطوال
والبحرين واليمامة بشر كثير من ولد طسم ، وجديس ، ابني إرم بن سام ، وكانوا من العرب العاربة ، وكان ملكهم رجلا من طسم ، يسمى عمليقا ، وكان جائرا ظلوما ، وبلغ من عتوه أن أمر ألا تزف امرأة من جديس إلى زوجها إلا بدءوه بها ، فمكثوا بذلك دهرا طويلا . وأن رجلا من جديس تزوج عفيرة بنت غفار أخت الأسود بن غفار عظيم جديس وسيدها ، فلما أرادوا إهداءها أدخلت على الملك ، فافترعها ، ثم خلى سبيلها ، فخرجت إلى قومها في دمائها رافعة ثوبها عن عورتها ، وهي تقول : أيصلح ما يؤتى إلى فتياتكم * وأنتم رجال ثورة عدد النمل فلو أننا كنا رجالا وكنتم * نساء لكنا لا نقر على الذل فبعدا لبعل ليس فيه حمية * ويختال يمشي مشية الرجل الفحل فحميت من ذلك جديس ، فاغتالوا عمليقا ، فقتلوه على غرة ، وأمامهم الأسود ابن غفار يرتجز ، ويقول : يا ليلة ماليلة العروس * جاءت تمشي بدم جميس ( 1 ) يا طسم ما لاقيت من جديس * إحدى لياليك فهيس هيس ( 2 ) فأبادوا طسما ، فلم يفلت منهم إلا رجل يقال له ، رياح بن مرة ، فإنه مضى على وجهه حتى أتى ذا جيشان ، وهو معسكر في جنوده بنجران ، فمثل بين يديه ، ثم قال : إنك لم تسمع بيوم ولا ترى * كيوم أباد الحي طسما به المكر أتيناهم في أزرنا ونعالنا * علينا الملاء الحمر والحلل الخضر فصرنا لحوما بالعراء وطعمة * تنازعها ذيب الوشيمة والنمر ( 3 )
--> ( 1 ) الدم الجميس : هو الدم المتجمد ( 2 ) هيش هيس : كلمتان تقالان للحض عند إمكان الأمر والاغراء به ( 3 ) الوشيمة : الشر والعداوة والضراوة